ابن سبعين

150

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وأما الثاني : فإن صورة هذا الاسم على صورة الإنسان ؛ فالميم الأولى رأسه ، والحاء جناحاه ، والميم الثانية بطنه ، والدال رجلاه ، والإنسان صغير وكبير كما هو في مصطلح القوم انتهى . للعلماء في تفسير الملك والملكوت عبارات حاصلها أن الملك هو : التصرف في الأمور ، وفي تحقيقه كلام يطلب من محله ، والملكوت : عظم الملك ؛ لأنه مبالغة فيه كالرّهبوت ، ولهذا فسر الملك بعالم الشهادة ، والملكوت بعالم الغيب ، وهو عالم الأمر . وقيل : الملك : ما يدرك بالحس ، والملكوت : ما لا يدرك به . وذكر بعضهم عبارة أبسط من هذه فقال : عالم الملك : عالم الشهادة ، ويقال : عالم الخلق ، وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ويكون بقدرة اللّه تعالى بعضه من بعض ، وبتضمنه التغير ، وعالم الملكوت عالم الغيب ، ويقال له : عالم الأمر ، وهو عالم الأرواح والروحانيات ، وهو ما أوجده اللّه تعالى بالأمر الأزلي بلا تدريج ، وبقي على حالة واحدة من غير زيادة ولا نقصان ، والجبروت عالم الأسماء والصفات الإلهية ، يعني صفات العظمة والعلو . وقيل : هو عالم بين العالمين يشبه أن يكون في الظاهر من عالم الملك ، فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت . وأما الحاء : فقد تقدم أنه يمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والحكمة والحلم . وأما الدال : فيمكن أن تكون مشعرة بالدلالة كما سبق ، ومظاهر الدلالة الكبرى أربعة : وهي : العلم المأمور في الأزل بكتابة الكائنات ، واللوح المحفوظ ، وأمين الوحي ، ومبلغه للخلق عليهما أفضل الصلاة وأزكى التسليمات ، ولا يعارض ما ذكرناه هنا ما أسلفناه ؛ لأن المقام مقام التماس نكات ، والنكات لا تتزاحم ، فكل ما بدا وظهر للفهم من وجوه اللطائف المناسبة لا يبعد ولا يستنكر ، وأما هيئته فحركة الميم الأولى هي الضمة التي هي أقوى الحركات ، يناسبها قوة ذلك الملك ، وظهور سلطانه ، وإشارته في قوله تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [ الفتح : 3 ] .